القاضي التنوخي

85

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

دار محمد بن علي القنائي - أكبر ظني - فتقدّم بفتحه ، فإذا فيه قدر جافّة خضراء ، وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق ، وكسر خبز جافّة ، وكان السمريّ حاضرا ، جالسا بالقرب من أبي ، فعجب من تلك القدر وتصييرها في سفط مختوم ، ومن تلك القوارير - وعندنا أنّها أدهان - ومن كسر الخبز . وسأل حامد السمري عن ذلك ، فدافعه في الجواب ، واستعفاه منه . وألحّ عليه في السؤال ، فعرّفه أنّ في ذلك القدر رجيع الحلَّاج ، وأنّه يستشفى به ، وأنّ الذي في القوارير بوله . فعرّف حامد ، ما قاله ، فعجب منه من كان في المجلس ، واتّصل القول في الطعن على الحلَّاج . وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر ، ويتعجّب منها ، ومن احتفاظهم بها ، حتى غاظ السمري ذلك ، فقال له : هوذا أسمع ما تقول ، وأرى تعجّبك من هذه الكسر ، وهي بين يديك فكل منها ما شئت ، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلَّاج بعد أكلك ما تأكله منها . فتهيّب أبي أن يأكلها ، وتخوّف أن يكون فيها سمّ . وأحضر حامد الحلَّاج ، وسأله عما كان في السفط ، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله ؟ فذكر أنّه شيء ما علم به ، ولا عرفه . وكان يتّفق في كثير من الأيام ، جلوس الحلَّاج في مجلس حامد ، إلى جنبي ، فأسمعه يقول دائما : سبحانك ، لا إله إلَّا أنت ، عملت سوءا ، وظلمت نفسي ، فاغفر لي ، إنّه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت . وكانت عليه مدرعة سوداء من صوف . وكنت يوما ، وأبي ، بين يدي حامد ، ثم نهض عن مجلسه ، وخرجنا